عندما يتهم الفقهاء غيرهم بـالجهل

عندما يتهم الفقهاء غيرهم بـالجهل
عصيد أحمد - 30 March 2018 10:03

تسارع الفقهاء والدعاة كعادتهم إلى اتهام غيرهم بالجهل، في سياق النقاش الدائر حول الإرث وإلغاء "التعصيب". و"الجهل" هو الكلمة التي على طرف لسانهم في مثل هذه الظروف، والقصد منها صرف الانتباه عن المواقف التي تزعجهم، ووضع حدّ للنقاش الذي لا طاقة لهم به، لأنه يكشف عن جوهر المشكل الذي يتخبطون فيه: أنهم لا يريدون أن يعترفوا بأن قواعد الفكر الفقهي التراثي التي يجترونها لم تعد تجيب على الأسئلة الملحّة التي يطرحها الواقع المتجدّد.

لا يبدو أن الفقهاء ينتبهون إلى أمر أساسي، أن المشكل لا يتعلق بالجهل بالدين أو بالشريعة، بقدر ما يتعلق بتجاهل الواقع، حيث ما زال فقهاء التقليد يُصرون على عدم اعتبار الواقع مرجعا للتفكير، معتقدين بأن الفقه القديم وحده، وحفظ المتون والحواشي، كاف للإجابة على جميع الأسئلة التي يطرحها الناس، بينما الحقيقة أن الأسئلة المنبعثة من صميم الواقع الحالي بعيدة كل البعد عن أن تحيط بها منظومة الفكر الفقهي التراثي الذي أصبح في وضعية صعبة.

إن الذين يطالبون بإلغاء "التعصيب" إنما فعلوا بسبب المظالم الشنيعة التي لم يعد يقبل بها كل ذي ضمير حيّ، بمن فيهم الفقهاء أنفسهم عندما تصبح بناتهم في خطر، وهذا واقع لم يعُد يخفى على أحد، لكن بجانب ذلك فالمطالبون بإلغاء "التعصيب" يعلمون أيضا بوجود مذاهب فقهية رافضة لهذا النظام، ما يجعل خطوتهم التي أقدموا عليها منسجمة تماما مع الدعوة القائلة بأنه يمكن التجديد من داخل المنظومة الفقهية نفسها، وتحقيق مكاسب حقوقية للنساء.

ويحق لنا مع هذا التساؤل عمن يعاني حقا من "الجهل"، هل الحداثيون الديمقراطيون أم الفقهاء ؟ فالأساليب الملتوية وأنواع التحايل التي أصبح يلجأ إليها المجتمع لتجنب النتائج الخطيرة لـ"التعصيب"، تدلّ بما لا يدع مجالا للشك على أن هذا النظام أصبح مثار رُعب حقيقي بالنسبة للعائلات المغربية، فلم يعد يمكن معه القول إنه نظام عادل وربّاني ومصدره السماء وأن لا سبيل إلى تغييره.

لم ينتبه فقهاء التقليد ومساعدوهم من الدعاة إلى أنه على مدى القرن العشرين المنصرم، واجه الفقهاء كل الانتقادات التي وُجهت لمنهجهم باتهام مخالفيهم بـ"الجهل"، بينما تبين فيما بعد أن أولائك الذين اتهموا بالجهل كانوا على حق، وأن الفقهاء هم من كانوا مخطئين، لكنهم رغم ذلك لم يعتذروا أبدا عن أخطائهم.

ويتهم الفقهاء بالجهل من يتحدث في موضوع ديني وهو ليس من أهل الاختصاص في الدين، أي ليس فقيها، دون أن ينتبهوا إلى أمرين اثنين: أن السبب الرئيسي لخوض الناس في شؤون ذات صلة بالدين هو إصرار الفقهاء على إقحام الدين في شؤون الدولة والسياسة وتدبير الشأن العام، من منطلق اعتقادهم الراسخ بأن الدين دولة وحكم وغلبة، متناسين بأن كل ما يُقحم في السياسة يصبح بالضرورة، وبشكل لا جدال فيه، موضوع نقاش وأخذ ورد، لأن السياسة طابعها النسبية والاختلاف.

والسبب الثاني أن الكثير من "أهل الاختصاص" في الدين يرتكبون أخطاء فادحة عندما يلجأ إليهم الناس مكرسين رغبة هوجاء في الاحتواء والردع، بمنطق مضاد للعقل والواقع والقانون، ويكفي أن نذكر بهذا الصدد ما كان ينشره فقهاء "التوحيد والإصلاح" في ركن بجريدة "التجديد" من "فتاوى" مخجلة موجهة للمواطنين، وهو الركن الذي اختفى بعد أن أصبح موضوع تندّر في الصحافة.

وماذا عندما يُعبّر فقيه متخصّص ومجتهد عن موقف مضاد لمواقف فقهاء التقليد ؟ عندئذ لا يجرؤ الفقهاء على استعمال نعت "جاهل" ، لكنهم يعمدون إلى حيلتين أخريين لمواجهته ونزع الشرعية عن رأيه التنويري: الأولى بالقول إنه رأي "شاذ مخالف لإجماع جمهور العلماء" ، والثانية نعته بأنه "متشيع" أو متأثر ببعض "المذاهب المنحرفة".

أما إذا أوردنا للقراء الأعزاء لائحة بأسماء المفكرين الذين اتهمهم الفقهاء بـ"الجهل" منذ بداية القرن العشرين فقط إلى اليوم، فسيستغربون بلا شك، لأنهم سيكتشفون بأن الكثير من عظماء الفكر والعلوم وحتى السياسة، الذين صنعوا التاريخ الحديث لشعوبهم، اتهموا من قبل الفقهاء وهوجموا بدون تحفظ عندما عبروا عن أفكار لم يستسغها الفقهاء بسبب الجمود الفكري لا غير.

هل نضجت الشروط المجتمعية والتاريخية لمراجعة نظام الإرث الإسلامي ؟ نعم، والواقع هو المحك الحقيقي، فلا شيء في تفاصيل الواقع الراهن يمتّ بصلة للواقع القبلي والعشائري العربي الذي ساد قبل قرون طويلة، كما أنّ العائلة النووية التي نعيش في ظلها اليوم، لم تعد هي العائلة الممتدّة التي وُجدت من قبلُ، والتي جاءت النصوص الدينية مطابقة لها. ولا مجال لحظر النقاش ومضايقة أهله أو اتهامهم بـ"الجهل"، فالجاهل من يغوص في بطون كتب التراث القديم وهو لا يرى موطئ قدمه عند خروجه من باب بيته.

أضف تعليقك
فرص عمل
إعلانات
المذكرات
تجدون المناسبات و المهرجانات المحتفى بها بالجهة وبإمكانكم إضافة مناسباتكم إلى المذكرة مجانا
النشرة الإخبارية
الفيسبوك
راديو
إستطلاع الرآي
مارأيك في التدبير المحلي لجهة مراكش؟
شركاؤنا
إعلانات
حسنا