درس في القراءة

درس في القراءة
أقنسوس إبراهيم - 11 November 2018 11:11

درس جميل في القراءة، تلقيناه هذه المرة من طفلة أعادتنا إلى كل أحاديثنا الرتيبة حول أهمية القراءة وضرورتها، ووضعتنا وجها لوجه أمام كلمة (اقرأ)، لا زمتنا التي نحبها ولا نكف من ترديدها حد الإسفاف، حتى تحولت عندنا إلى نوع من التعويض المرضي، بالمعنى الذي يتحدث عنه التحليل النفسي.

قوة هذا الدرس أنه درس عملي، ومن طفلة، مريم أمجون، قرأت مائتي كتاب، وشاركت بستين منها في المسابقة، وفازت على الجميع، فشرفت نفسها وأهلها وبلدها ومدرستها العمومية، نعم العمومية، وسجلت حضورا رمزيا كبيرا، افتقدناه طويلا، إنه الدرس الكبير، من طفلة صغيرة، أو هي الكبيرة على الأصح، فمن يعتبر، ودعونا من حماسة اللحظة والعواطف العابرة، أو الجري وراء استغلال الحدث لجلب مكاسب مادية أنانية مؤسفة، فعل القراءة أكبر من هذا بكثير، أخطر ما في موضوع القراءة أن غيابها أو تغييبها يعني الموت، يعني الحياة في الفراغ، يعني قتل كل جميل وحي وأنيق.. غياب القراءة يعني فسح المجال واسعا لكل الجهالات والارتدادات والتراجعات المادية والمعنوية.. غياب القراءة يعني غياب المعرفة، يعني الحياة في اللاعقل واللامعنى واللاشعور.. الذي لا يقرأ لن يقول ولن يفعل شيئا ذا قيمة، مهما حاول؛ لأنه يصدر عن خواء، وفاقد الشيء لا يعطيه، وسرعان ما ينكشف أمره، وهذا مشاهد ومجرب.. الذي لا يقرأ لن يتلقى المعلومة بالشكل الصحيح، لأنه لا يمتلك أدوات تمحيصها وتقليب أوجهها، دراسة ونقدا، الذي لا يقرأ يصعب أن يمتلك رأيا، ويحوز وجهة نظر خاصة، يربيها وينضجها، يوما بيوم، وقراءة بقراءة.. الذي لا يقرأ لن يكتب ما يفيد ويمتع؛ فقوة الكتابة من قوة القراءة..

وفي النهاية، من لا يقرأ يأتي إلى الدنيا ويغادرها كما أتى، دون ما سؤال كبير يطرحه، ودون ما إجابة وافية يبحث عنها، ويتلقاها أو لا يتلقاها. لهذا كله، تحتفل الأمصار المتقدمة بموضوع القراءة، وتعتبره قضية دولة بكاملها؛ فالقراءة فعل جاد، يحتاج إلى عمل جاد، لذلك جاء الحديث عنها في القرآن الكريم، بصيغة الأمر القوي والواضح، الذي لا يقبل التأويل (اقرأ)، والذي تأكد في سورة العلق مرتين، يليه فعل الكتابة بالتبع والتساوق، والذي استحق بدوره قسما من رب العالمين، (نون والقلم وما يسطرون)، إنه فعل القراءة، الفعل الجاد والممتع في آن، الشديد واللذيذ معا، لمن كابده وكابره حتى بلغ المنى.. ومن ثم، فلا بد لطالب القراءة الجادة من صبر ودربة وممارسة، بلغة نقادنا القدماء، ومع الأيام تتحول المشقة إلى متعة، وتستحيل الصعوبة عادة لا تقاوم، وجبلة لا تضاهى، هذا هو الطريق، متى ما أردنا تغيير وجهة الكلام والنظر.

إن علاقتنا بفعل القراءة، نحن أمة اقرأ، يكتنفها الكثير من الغموض والارتباك، وتخالطها أشكال وألوان من التشويش والتصادم، ولنا أن نتأمل هذه الصور:

_ كثيرون منا يعادون الكتاب، ويكرهون بشكل غريب كل ما يمت إلى القراءة والمعرفة بصلة، والأغرب هو أن من هؤلاء أساتذة ورجال تعليم؛

_ كثيرون منا يتصدون للحديث عن الكتب والجرائد، ويبيحون لأنفسهم إصدار أحكام قيمة حولها، دون قراءتها أو الاطلاع الكافي على تفاصيل ما جاء فيها، وحين تدقق مع بعضهم في جزئية مما يتحدثون فيه وعنه، يتضايقون ويثورون في وجهك؛

_ كثيرون منا يفتخرون بامتلاك كتب معينة، لأسماء معينة، يزينون بها واجهات بيوتاتهم، ويتحدثون عنها كما يتحدثون عن مزهرية من طين، توضع للزينة والمفاخرة؛

_ كثيرون منا يتحسرون على ضعف عادة القراءة في صفوفنا، وينطلقون في غمرة الحماس للحديث عن أهمية القراءة وضرورتها، وحين تسأل عنهم تجدهم لا يقرؤون شيئا، ولكن يتحدثون في كل شيء..

إنها بعض أمراضنا الغريبة، التي نداري بها عجزنا الكبير في معالجة معضلة القراءة في صفوفنا..

لقد قضينا مع الصغيرة/ الكبيرة مريم لحظة من لحظاتنا النادرة الجميلة، لحظة الاحتفال المستحق بالقراءة، بالمعنى القوي والعميق والطفولي للكلمة، وتخلصنا ولو لساعات من أخبار ما يسمى بالفن؛ فلا فن حقيقي بلا قراءة..

مرة أخرى، يكفي أن نتأمل أحاديث وتصرفات وتعبيرات أكثر الفنانين عندنا، لنقف على المعنى، ثم على المراد من وراء كل هذه الضحالة التي تحوطنا وتحاصرنا.

شكرا الصغيرة مريم، على درسك الكبير.

أضف تعليقك
فرص عمل
إعلانات
المذكرات
تجدون المناسبات و المهرجانات المحتفى بها بالجهة وبإمكانكم إضافة مناسباتكم إلى المذكرة مجانا
لايوجد اي مناسبة او مهرجان في هذا الاسبوع
النشرة الإخبارية
الفيسبوك
راديو
إستطلاع الرآي
مارأيك في التدبير المحلي لجهة مراكش؟
شركاؤنا
إعلانات
حسنا