جائحة كورونا وكوابيس إفراغ المحلات التجارية

جائحة كورونا وكوابيس إفراغ المحلات التجارية
عبد الجبار بهم منتدب قضائي ممتاز بوزارة العدل - 2020-10-11 12:32:00

تحت وطأة الخسائر الاقتصادية التي تكبدتها خزينة الدولة خلال الحجر الصحي، أصدرت وزارة الداخلية والصحة والاقتصاد بيانا باستئناف المؤسسات التجارية لأنشطتها باعتماد 50 % معيارا لاستغلال وسائل الإنتاج، في وقت أصبح معظم التجار المكتري مهددين بالإفراغ لعدم وفائهم بالوجيبة الكرائية عن شهور الحجر الصحي؛ خاصة وأنه بمجرد العودة لتطبيق الآجال القانونية هرع الملاك إلى توجيه إنذارات الأداء أو الإفراغ عن الأشهر التي سادها الإغلاق الجبري للمحلات التجارية. والذي لا جدال فيه أن قيام الملاك بهذا الإجراء له ما يبرره واقعيا وقانونيا؛ فهو سلوك واقعي لفئة عريضة ممن يعيش من الملاك على مداخيل أكريتهم وينتظرونها نهاية كل شهر بفارغ الصبر، فكيف يتصور حالهم وقد انقطعت عنهم الأرزاق 3 أشهر متتالية. وهو من جهة أخرى سلوك قانوني يحمي حقا يقرره القانون دون منازع، باعتبار أن الوجيبة الكرائية أهم التزام يتحمله المكتري اتجاه المكري وعدم الوفاء بها مدة 3 أشهر يضع المكتري تحت طائلة المحتل دون سند طبقا للمادة 8 من القانون رقم 49.16، التي تقضي بإمكانية إفراغه دون تعويض. بيد أن تعارض مصلحة المكري المبررة واقعيا وقانونيا ووضعية المكتري الاستثنائية يطرح على مستوى النقاش إشكالا قانونيا ما يزال في مرحلته الجنينية، نقاش أفرزته شروط طارئة واكبت تفشي جائحة كورونا التي مست شريحة واسعة من المواطنين بما في ذلك ملاك العقارات أو مستغليها بموجب أكرية سارية المفعول. جانب من الفقه يرى الوفاء بالالتزام ضمانة لاستقرار المعاملات وركنا أساسيا في صرح السلم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والنفسي مهما كانت موجبات التضامن المجتمعي، وأمام غياب نص قانوني صريح يدبر نتائج إغلاق المحلات التجارية الذي استمر أزيد من 3 أشهر متتابعة، فلا مناص من الرضوخ لقواعد الإفراغ عند المطالبة بتطبيقها، لاسيما وأن مقترحات تعديل القانون رقم 49.16 كان مآلها النسيان. لكن من جهتنا نرى أن استقرار المعاملات مرهون بحياة اعتيادية لا ينغصها الاستثناء، وطالما أن هناك شروطا استثنائية فرضتها حالة الطوارئ رسميا فقد اختلت الموازين واهتز استقرار المعاملات الذي أضحى مؤشرا على استحضار روح التضامن والتآزر في مجابهة الكوارث حماية لحق الجميع في الحياة مكرين ومكترين، بل وأصبح لزاما على الفقه والقضاء إبداع توجهات جديدة لتثمين الثقة في القضاء ليس فقط بوصفه ساهرا على التنفيذ الآلي للقانون، ولكن أيضا بوصفه كائنا بشريا يصنع الممكن من أجل احتواء أزمات الإنسان والإسهام في حركية التشريع الملائم للمستجدات والطوارئ. وليس هناك من داع لتعديل القانون رقم 49.16 طالما أن المبادئ المقررة في الشريعة العامة كمرجعية معتمدة فقها وقضاء، تصنف جائحة كورونا ضمن قائمة القوى القاهرة، كالفيضانات والزلازل وسائر الكوارث الطبيعية وفقا للفصل 269 من ق ل ع، وطالما أن إرادة المشرع في ترجيح البعد الإنساني والأخلاقي إزاء القوة القاهرة تستشف من مقتضيات القانون رقم 31.08 الذي أتاح للقضاء في المادة 149 تسهيل الوفاء بالتزام المدين الذي طرأت على أوضاعه المادية تغيرات غير متوقعة أربكت حساباته المادية وزعزعت علاقاته التعاقدية. وقد صدر في هذا الاتجاه عدة أوامر قضائية قضت بالإيقاف المؤقت للوفاء بالالتزام، يهمنا منها في هذا النقاش المفتوح أمر استعجالي صادر عن المحكمة التجارية بمراكش بتاريخ 14 07 2020 في الملف عدد 280 8101 2020، الذي لم يهمل تبعات الوضع الاستثنائي لحالة الطوارئ الصحية التي لا يزال المغرب كباقي دول العالم يعيش على وقعها، وقضى بالإيقاف المؤقت لالتزامات المدعي الناتجة عن عقد الرهن مدة 4 أشهر مع عدم احتساب الفائدة طيلة هذه المدة، بعلتين؛ إحداهما إغلاق المؤسسة التي يعمل فيها المدعي ابتداء من تاريخ 20 30 2020 بسبب تفشي فيروس كوفيد 19 المعروف بكورونا، والأخرى قيام المؤسسة بتخفيض أجرة المدعي بنسبة 50 %، مما أعجز المدعي عن الوفاء بالتزاماته لكونه أصبح في وضع اجتماعي غير متوقع. والملاحظ أن استناد هذا الأمر إلى الفصل 149 من القانون رقم 31.08 المحدد لتدابير حماية المستهلك، وإن كان يسعف في إدراك إرادة المشرع ضمن بعدها الإنساني عند الطوارئ، إلا أن ربطه بالمستهلك بحثا عن الشرعية القانونية يجعل منه نصا خاصا لا يسعف في تعميم مقتضياته على شروط تعاقدية مختلفة كما هو حال المكتري، مع أن العلة تبقى واحدة وهي حدوث طارئ غير متوقع، الشيء الذي يعني في تقديرنا أن البعد الإنساني في إرادة المشرع يبقى قائما حتى عند تطبيق مقتضيات المادتين 8 و 26 من القانون رقم 49.16، وذلك بربطهما بالشروط الاعتيادية عند التنزيل، فإذا اختلت هذه الشروط كما هو الشأن في حالة الطوارئ الصحية، توجب ربطها بالقوة القاهرة المنصوص عليها في الفصل 269 من ق ل ع، وبالتالي يعتبر عدم أداء واجبات الكراء ناجم عن قوة قاهرة تمثلت في " فعل السلطة " من خلال قرارات إدارية بإغلاق المحلات التجاري تفاديا لتفشي وباء لعين لم يكن في مقدور أي إنسان أن يتوقعه، شأنه شأن سأن الفيضانات الجفاف العواصف الحرائق الجراد غارات العدو... ذلك أن القواعد القانونية وضعت لخدمة الإنسان، وما الخصائص السلوكية والاجتماعية والتجريدية التي تميزها إلا تعبير عن بعدها الإنساني في شموليته عندما يفتقد النص القانوني لمخرجات الاستثناء، كما أن تسهيل الوفاء بالالتزام لا يفيد التحلل منه وإفراغه من محتواه، بقدر ما يفيد الطابع التضامني للمجتمع في مواجهة الكوارث التي تهدد حياة الإنسان ككل وهو في نهاية المطاف مناط التشريعات والقوانين.

أضف تعليقك
فرص عمل
إعلانات
المذكرات
تجدون المناسبات و المهرجانات المحتفى بها بالجهة وبإمكانكم إضافة مناسباتكم إلى المذكرة مجانا
لايوجد اي مناسبة او مهرجان في هذا الاسبوع
النشرة الإخبارية
الفيسبوك
راديو
إستطلاع الرآي
ما رأيك في تدبير جهة مراكش آسفي لجائحة كورونا؟
شركاؤنا
إعلانات
حسنا