جائحة كورونا والإستثناء العربي

جائحة كورونا والإستثناء العربي
البلغيتي عبد الصمد - 2020-04-28 17:43:55

 في الوقت الذي تتنافس فيه بعض دول العالم وعلماؤها من أجل البحث عن لقاح ناجع لفيروس كورونا, الذي صنفته منظمة الصحة العالمية جائحة عالمية تهدد أمن وسلامة الإنسانية جمعاء, وقد تجلى هذا التنافس في حجم الإمكانيات والجهود التي تبذلها هذه الدول لدعم مراكز الأبحاث والمؤسسات المتخصصة في الأوبئة والصحة العامة.

في هذا الوقت نجد الدول العربية وشعوبها تبدوا وكأنها خارج الزمن, وغير معنية بالبحث العلمي ولا تنتمي إلى المجتمع الدولي الذي يسارع الوقت للخروج من هذه الأزمة. وفي المقابل فهي غارقة في تخلفها البنيوي وفي جهلها المؤسس حسب لغة محمد أركون الذي يعتبر في كتبه أن الجهل عند العرب لم يعد ظاهرة طارئة, بل أصبح جهلا مرتبط بالنظام التعليمي العقيم في المدارس والجامعات التي تساهم في انتاج قيم هدامة كالتطرف والإنحراف والتعصب, وتغييب العقل وقيم التنوير..., ليتحول هذا التخلف إلى جهل مقدس بلغة الفيلسوف الفرنسي أوليفيه روا Olivier Roy.

وقد ظهر ذلك واضحا في مستوى تعامل الإنسان العربي مع هذه الجائحة, ما فضح المستوى الذي وصلت له هذه الشعوب من التأخر العلمي, تأخر لم يكن وليد اللحظة بل هو قديم في تاريخ المنطقة التي أصبحت مشاكلها عبئا على المجتمع الدولي. دائما العرب يشكلون إستثناءا بين شعوب العالم المتحضر والمتخلف أيضا, فقد شهد شاهد منهم وهو الشاعر العربي المتميز أبو الطيب المتنبي 303ه/354ه وخاطبهم في قصيدة مطلعها: يا أمة ضحكت من جهلها الأمم..., والغريب أن الشاعر عربي أصيل وعاش في أبهى أيام الحضارة الإسلامية العربية.

وهذا الإستثناء العربي ليس وليد اليوم كما سبق الإشارة, فهو قديم لأن العرب منذ ظهورهم على ساحة الأحداث لم يكن لهم إهتمام بالعلوم وتدوينها, أمر غريب إنتبه له كثير ممن أرخ للحضارة الإسلامية العربية, منهم المؤرخ المغربي الكبير عبد الرحمان ابن خلدون 732ه/808ه الذي عبر عن هذا الإستثناء العربي في كتابه المقدمة حيث قال: "من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم, وليس في العرب حملة علم, لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم العقلية, إلا في القليل النادر, وإن كان منهم العربي في السند, فهو أعجمي في لغته ومرباه ومشيخته, مع أن الملة عربية, وصاحب شريعتها عربي."

إعتبر ابن خلدون رحم الله عن أن هذا الإستثناء العربي أمر غريب, فلا أحد ينكر ما وصلت له حضارتنا الإسلامية العربية من تقدم ورقي على يد علماء مرموقين, لكن الغريب أنه لم يكن منهم عربي إلا في النادر وهو إما تكوينه أعجمي أو نشأ وتربى على يد شيوخ أعاجم, وقد برع هؤلاء في علوم شتى منها العلوم الشرعية: ويقصد بها علوم الدين من تفسير للقران الكريم وسنة نبوية, وأصول فقه وعلوم الحديث ومصطلحه وعلم الفرائض والمواقيت...., وهي علوم برع فيها بل أسسها رجال من غير العرب, والغريب أنها تحتاج لدراستها معرفة بأنساب العرب ولغتهم وأمثالهم وأشعارهم, ولا حاجة للقول أن قواعد العربية وجمع الشعر وتدوين قواعده وتدوين أنساب العرب كان من غير العرب, نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: حماد الراوي جامع المعلقات العشر, وبشار بن برد وسيبويه وأبو العتاهية والطبري وابن كثير وابن حنبل والبخاري..., وعندما يتحدث ابن خلدون عن العلوم العقلية فالمقصود علوم الفلسفة من رياضيات وفلك وطب وكيمياء...التي لم يكن للعرب فيها حظ, فجميع من كان يشتغل بها من غير العرب مثل اسحاق بن حنين وابن البطريق وأبو بشر متى والرازي والخوارزمي وابن سينا والفارابي والبيروني...

إن المتأمل لحضارتنا الإسلامية العربية-والمقصود بالعربية أنها كتبة بلغة عربية-يجد أن فضل غير العرب كان مهما في تدوين العلوم, والحفاظ عليها حيث وضح ابن خلدون ذلك بقوله:"ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلا الأعاجم" والأعاجم يقصد بها من لم تكن أصوله عربية ويضيف ابن خلدون:"وأما العلوم العقلية...اختصت بالعجم وتركها العرب وانصرفوا عن إنتحالها فلم يحملها إلا المعربون من العجم", وهذا دليل على أن الحضارة الإسلامية لم تكن عربية إلا من حيث اللغة التي كتبة بها, غير ذلك فلا فضل للعرب حسب ابن خلدون.

المعربون الأعاجم حملوا لواء العلوم في الحضارة الإسلامية, وقادو حركة الترجمة والتدوين في العصر العباسي, وشتغلوا على علوم القران الكريم وتدوين الحديث وعلومه, وبرعوا في الفلسفة. وبنو حضارة لا زلنا إلى اليوم نبكي على أطلالها بعد أن ضيع العرب مجدها الزاخر, مجد تحدث عنه مؤرخ الحياة الفكرية ابن النديم توفي 384ه في كتابه الفهرسة و فيه وثق لجميع الكتب التي وصلت إليه وأسماء من كتبها وترجمها, والغريب أن أغلبهم ليس عربيا, الأمر الذي نجده أيضا عند مؤرخ أخر هو حاجي خليفة 1017ه1068ه في كتابه كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون, ويضم أسماء ألاف الكتب العربية والفارسية والتركية ومؤلفوها والغرب أيضا أن الجميع من غير العرب إلا القيل.

أضف لذلك أن أول مؤسسة علمية متخصصة في الترجمة والبحث العلمي عند المسلمين كانت في العصر العباسي مع الخليفة المأمون, سمية بيت الحكمة وكان جميع طاقمها العلمي من غير العرب, خصصة لها الدولة ميزانية ضخمة لقيام العلماء بأدوارهم, وضعوا لكل عالم ترجم كتابا في علم من العلوم وزن الكتاب ذهبا.

وكان يوضع الميزان والكتاب في كفة والذهب في الأخرى, ولك أن تتخيل حجم الذهب الذي كان يصرف على العلماء وأغلبهم من غير العرب ومن غير المسلمين, منهم المسيحيون اليعقوبيون والنساطرة وكذلك اليهود وبعض الصابئة أتقنوا اللغة العربية ونقلوا لها من اليونانية والعبرية والسريانية.

أضف تعليقك
فرص عمل
إعلانات
المذكرات
تجدون المناسبات و المهرجانات المحتفى بها بالجهة وبإمكانكم إضافة مناسباتكم إلى المذكرة مجانا
لايوجد اي مناسبة او مهرجان في هذا الاسبوع
النشرة الإخبارية
الفيسبوك
راديو
إستطلاع الرآي
ما تقييمكم لتفاعل المراكشيين مع إجراءات مواجهة جائحة كورونا ؟
شركاؤنا
إعلانات
حسنا